محمد فاروق النبهان
36
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
وصور الوحي كما حددها القرآن هي : أولا : الوحي المباشر ، وهنا يبرز معنى الإلهام أو النفث في الروع وهو إلقاء المعنى الموحى به في القلب ، والقلب في نظر القرآن هو مصدر المعرفة وهو موطن الفهم ، ولهذا كثر استعمال القرآن للفظة القلب في موطن حديثه عن الفهم ، والقلب هو الخصوصية الإنسانية وهو المخاطب بالأمر الإلهي ، ويختلف الوحي المباشر عن الإلهام الغريزي أو الفطري ، فالإلهام قد يكون نابعا من الذات ، وقد يخطئ الإنسان فيه أو يصيب ولا يعرف مصدره ، فقد يكون من وسوسة الشيطان ، بخلاف الوحي المباشر فإنه أمر خارجي تتلقاه النفس البشرية ، وتعرف جيدا مصدره ، فلا يلتبس الأمر عليها ، وهو خاص بالأنبياء ، ولا يكون لغير الأنبياء ، بخلاف الإلهام الفطري فقد يكون لغير الأنبياء ، وقد يكون إلهام خير أو إلهام شر ، ويختلف مصدره . ثانيا : الكلام من وراء حجاب : وهذه الصورة وردت في القرآن في قوله تعالى : فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ( 29 ) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 30 ) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ « 1 » . ثالثا : الوحي عن طريق رسول : والمراد بالرسول هنا جبريل ، ويفسر هذه الكيفية قوله تعالى : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ « 2 » . وفسرت السنة النبوية كيفية الوحي بما رواه البخاري عن السيدة عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت : « أول ما بدئ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه
--> ( 1 ) سورة القصص ، الآيات : 29 - 31 . ( 2 ) سورة الشعراء ، الآيتان : 193 - 194 .